المدوّنة

العودة الى القائمة

القرصنة الاكترونية الايجابية... أسطورة باطلة

21 يناير 2013

يبدو اللجوء إلى “عالم الداونلود” أو التحميل لمشاهدة آخر وأضخم الانتاجات التلفزيونية والسينمائية، في ظاهره غير ذي تبعات سلبية، لكنه تصرّف قادر على أن يخلّف وراءه آثاراً سلبية جمّة على الاستوديوهات وصنّاع الأفلام الصاعدين. أما الجدل الذي يكتسب أهميةً كبرى في موضوع القرصنة الالكترونية، فيتمحور حول ما إذا كانت العوائد الضخمة التي يحقّقها صنّاع المحتوى، هي السبب وراء تصاعد وتيرة هذه الظاهرة. نعم، الاستوديوهات الضخمة قادرة على تحمّل أعباء الخسارة المادية المتأتّية، لكن هل فكّرنا بصنّاع الأفلام المستقلين وصغار الحجم، الذين يعانون من آثار القرصنة الالكترونية؟

الجديد في الموضوع، هو أن بعض صنّاع الأفلام الذين ذاقوا مرار قرصنة أعمالهم، قد لجؤوا لفتح حوار مع مستخدمي الانترنت الذين يعمدون إلى تحميل أفلامهم بطرق غير شرعية. هي خطوة تتّسم دون شك بالشجاعة، لا سيما وأن العديد من القراصنة الالكترونيين يدافعون بشغف عن قدرتهم على تحميل الأفلام. أحد صناع الأفلام هؤلاء كان مات كومبتون الذي دخل على المصدر الذي يزوره المستخدمين للتحميل، بعد اكتشافه بأن آخر أفلامه تعرّض للقرصنة الالكترونية، قائلاً لهم:

“لقد قرّرت أن أتوجّه مباشرةً إلى كل الذين يحمّلون الفيلم. لقد كتبتُ تعليقاً على موقع “بايرت باي” Pirate Bay، الأشهر في عالم التورنت. رجوتُ المستخدمين أن يعمدوا إلى شراء قرص الدي في دي حين يصدر، أو التبرّع لنا عبر PayPal. أختار ألا أبدو سلبياً بأي شكل من الأشكال، وألا أتفوّه بما يمكن أن يُعتبر اتهاماً لكل المستخدمين الذين يقومون بعملية التحميل. وفي حين تلقيت بعض التعليقات غير اللطيفة، إلاّ أن معظم هؤلاء المستخدمين دعموا موقفي، وعمد البعض حتى إلى مهاجمة أولئك الذين ردّوا بتعليقات سلبية. أيضاً قام البعض بالتبرّع عبر PayPal، والبعض الآخر راسلني قائلاً إنه سوف يشتري الدي في دي. لكني أعتبره انقساماً غريباً، أن يقوم المستخدمون الذين يعمدون بكل طيبة خاطر إلى تحميل فيلمي مجاناً (أي بطريقة غير شرعية)، بالدفاع عني حين أطلب منهم الدفع مقابل المادة المقرصنة. إنهم لم يدافعوا عني فحسب، بل عمدوا إلى تهنئتي على خطوة زيارة الموقع والتحدث إليهم مباشرةً.

هذه المقابلة مع مات كومبتون، تخوض في مزيد من التفاصيل في موضوع آثار وتبعات القرصنة الالكترونية. وعلى الرغم من استمرار معاناته مع التبعات السلبية الناتجة عن قرصنة أفلامه، هناك عامل إيجابي تأتّى في دخوله في حوار مباشر مع مستخدمي الشبكلة العنكبوتية. هذا الحوار يقيم جسور التواصل ما بين الذين يقومون بتحميل المحتوى وبين صنّاعه.
وبغض النظر عن وجهة نظرك تجاه القرصنة الالكترونية، لا بد من الاعتراف بأنها ظاهرة يستحيل القضاء عليها. والحل قد يكون، عوضاً عن خوض معركة خاسرة، أن تقوم الاستديوهات بالسير على خطى مات كومبتون، ومحاولة التخفيض من مستوى القرصنة، عبر الدخول في حوار مباشر يلقي الضوء على الأسباب والحلول الممكنة.

في المنطقة العربية، يبذل العديد من صنّاع الأفلام وبعض المجموعات أقصى الجهود لمحاربة ظاهرة القرصنة الالكترونية، ونشر التوعية في هذا الخصوص.
تجدر الاشارة إلى أن القرصنة الالكترونية لا تؤثر فقط على القطاع السينمائي الالكتروني، بل أيضاً على الشبكات الفضائية التي تعرض مواداً مقرصنة. وقد صرّح محمد رمزي، أحد المنتجين المصريين، بأن بعض القنوات التلفزيونية تقوم بسرقة الأفلام وبثّها دون إذن مسبق من شركة الانتاج.
وفي مقابلة حديثة العهد، تناول رمزي موضوع الجهود التي يبذلها لمكافحة القرصنة الالكترونية معلقاً:

“سوف نطلق حملة ضخمة عبر محاميينا لاتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة ضد هذه القنوات. ستنضم إلى هذه الحملة مجموعة من المنتجين بالاضافة إلى غرفة الصناعة السينمائية. لقد طلبنا من السلطات المختصّة اتخاذ الاجراءات المناسبة تجاه هذه الكارثة، لأن الخسائر في تزايد يومي، والحكومة تخسر ما يقارب 20 مليوناً كان يمكن أن تحصل عليها كضرائب”.

ومن المعلوم أن مصر هي مركز أحد أضخم القطاعات السينمائية في المنطقة العربية، لذلك من المنطقي بأن هناك من يدعو لمزيد من الاصلاحات التي تكافح تصاعد وتيرة القرصنة الالكترونية. هناك حملة مصرية ضد القرصنة الالكترونية بقيادة الممثلة والمنتجة سعاد يونس. وتستخدم يونس صفحتها على موقع فيسبوك بالاشتراك مع غرفة الصناعة السينمائية، للتوعية وتحذير المستخدمين من أن القرصنة الالكترونية “سيكون لها تبعات سلبية كثيرة على السينما المصرية في المستقبل”. وقد أثمرت جهودها في مجال مكافحة القرصنة الالكترونية، بإغلاق 17 خدمةً تتيح المواد المقرصنة حتى الآن، حيث عانت شركات الانتاج المصرية من خسائر فادحة على مدى السنوات القليلة الماضية، جرّاء هذه الظاهرة. عبّرت يونس أيضاً عن الحاجة إلى حماية حقوق الملكية الفكرية لصنّاع الأفلام، وهو أمر ممكن التحقيق في حال تضافرت جهود كل من المثقفين، والناشرين، والمنتجين والحكومة.

إن تضافر جهود كل من المنظات التي تكافح القرصنة الالكترونية، والحكومات وصنّاع الأفلام، يمكن أن تساعد في تخفيف الآثار السلبية لهذه الظاهرة، لكن، ما نحتاجه فعلياً لدفع هذا التغيير قدماً، بين أوساط مستخدمي الانترنت، هو تحقيق التواصل ما بين القراصنة وصنّاع المحتوى المقرصن. لا بد من التذكير بأن التقدّم التكنولوجي وبراعة مطوّريه سيستمرّ بوتيرة سريعة، مما سيتسبّب بتخلّف الاستديوهات وصنّاع المحتوى عن الرّكب. ولا بد أن تشجيع الحوار ما بين الأقطاب البارزة في عالم الانترنت، يمكنه أن يدفع الكثيرين للتنازل عن القرصنة. كما سيساعد في إنشاء قنوات توزيع تلبي بشكل أفضل احتياجات المشاهد الذي بات يلجأ إلى عالم الانترنت، من أجل الحصول مجاناً على المحتوى.

blog comments powered by Disqus